لحق مجلة القديس يوحنا الحبيب عدد 110 الصادر في إبريل 2006

ملحق مجلة القديس يوحنا الحبيب عدد 110الصادر في إبريل 2006

السيد المسيح ... مريم المجدلية ... ليوناردو  دافنشي

فك شفرة دافنشي

بقلم: هاني سلطان

لعبة الشيطان، جماعة سيون، ليوناردو دافنشي، الموناليزا، يهوه، العشاء الأخير، مريم المجدلية، الكأس المقدسة، رأس الكنيسة، الكتاب المقدس، الإله المتجسد، الفاتيكان، الوثنية.

 

لعبة الشيطان:

في كل عصر يطل علينا الشيطان بوجه مختلف ولكن المبدأ لا يتغير، فنرى في عصر إضطهاد من وثنيين، وفي زمن إضطهاد من هراطقة، وفي آخر إنقسام من داخل الكنيسة، وكأنه يعيد إلى أذهاننا مرة ومرات ما رأه يوحنا اللاهوتي "فغضب التنين على المرأة وذهب ليصنع حرباً مع باقي نسلها الذين يحفظون وصايا الله وعندهم شهادة يسوع المسيح" (رؤ17:12) وتمر الأزمنة ونشعر بأن كل المصائب تجتمع فوق رؤوسنا "لأنه يكون حينئذ ضيق عظيم لم يكن مثله منذ إبتداء العالم إلى الآن ولن يكون ولو لم تُقَصَّر تلك الأيام لم يخلص جسد ولكن لأجل المختارين تُقَصَّر تلك الأيام" (مت21:24،22) واليوم يلعب الشيطان لعبة قديمة مكشوفة فهل نستطيع المقاومة؟! إن الدرس الذي نعيه تماماً هو أن عقيدتنا ليست في حاجة إلى دفاع فهي قوية صلبة؛ إنها من الله ذاته، ولكن إيماننا في حاجة إلى امتحان؛ ونحن نعلم ما قاله معلمنا بولس الرسول "إن مصارعتنا ليست مع دم ولحم بل مع الرؤساء مع السلاطين مع ولاة العالم على ظلمة هذا الدهر مع أجناد الشر الروحية في السماويات" (أف12:6) والآن يستغل الشيطان ضعف إيماننا وجهلنا بعقيدتنا وضآلة معرفتنا الدينية، بجانب عدم الوعي وقلة الثقافة واللامبالاة بتاريخ كنيستنا فيطل علينا من خلال رجل ذو ثقافة متوسطة يُدعى دان براون لا يستحي أن يقول أن الأديان أكذوبة والإيمان فبركة وتلفيق؛ وليس هناك دين فهو مجرد رموز مضحكة بغرض الخداع، وإن كان قد قاله صراحة في أحاديث تليفزيونية وصحافية فقد أكده على لسان أبطال قصته البوليسية المشوقة التي أطلقها عام 2003 باسم (شفرة دافنشي) في حوالي 500 صفحة، مدعياً أن المسيح كان بشراً فانياً، مجرد نبي تزوج من المجدلية ونسله يعيش بيننا حتى جاء الملك قسطنطين الوثني وراهن على المسيحية ليثبِّت ملكه، فنادى في مجمع نيقية بتأليه السيد المسيح وتشويه صورة المجدلية، وبدأ في كتابة الأناجيل التي تؤيد مذهبه وهي التي بين أيدينا الآن، وإذ نتقدم بالرد في إيجاز وإختصار شديدين ولكن الموضوع يحتاج إلى مجلدات للرد بالتفصيل على كل سخافة مما يوردها، ولكننا نركز على عدة نقاط رئيسية تاركين موضوعات متعددة لفطنة القارئ ليضحك ملء شدقية على هذا الدان براون الذي يؤكد أنها الحقيقة مستنداً على أدلة مزيفة واهماً العقول البسيطة بإعجازية الفكر فيها، وبالطبع أثارت فضول الكثيرين فتُرجمت لعدة لغات وبيع من الكتاب مئات الملايين من النسخ، وتلهفت عليها هوليوود ليتحول إلى فيلم سينمائي بطولة توم هانكس وجون رينو وإخراج رون هوارد وسوف يُطرح في منتصف مايو الجاري.

جماعة سيون:

تبدأ القصة بجاك سونيير مدير متحف اللوفر الذي يُقتل، وهو كان رئيس جماعة سيون وهنا نعرف أنهم فرسان الهيكل وحاولوا الوصول للأسرار المقدسة المخفية في هيكل سليمان تحت معبد هيروديت، ونوضح الحقيقة ألا وهي أن جماعة سيون جماعة وهمية أطلقها الفرنسيان بيير بلانترد وأندريه بونهوم عام 1956م وأعطاها الحبكة الممثل الهزلي الفرنسي فيليب دي كريزي – الذي اعترف تحت القسم أن الأمر برمته كان تزييفاً - في حين أن فرسان الهيكل تأسست عام 1099م على يد قائد الحملة الصليبية الأولى جودفرادي بويون البلجيكي الأصل بعد أن استولى على مدينة أورشليم ولُقِّب بحامي بيت المقدس، وذلك لحماية الحجاج إلى بيت المقدس ولمقاومة التوسعات الصليبية، ثم تحولت إلى منظمة مالية وإقتصادية ضخمة وظلت تنمو جماعة فرسان الهيكل لما لها من تأييد شعبي جارف، فكلما أراد البابا أن يضعف قوة الملك يدعو إلى حرب جديدة يذهب المحاربون فيها ولا يعودون حتى بلغت سبعة حروب، ثم تخلص منهم الملك فيليب الرابع ملك فرنسا في 13 أكتوبر 1307م بإعدام رؤسائهم ومصادرة أموالهم - دون إيعاز من أحد الباباوات كما يدعي الكاتب - بل أن الملك فيليب كان من القوة أن يختار البابا كليمنت الخامس خليفة للبابا السابق دون الرجوع لروما.

إن معرفة سطحية بالتاريخ تنبئنا بأنه لم يقم معبد هيروديت في مكان هيكل سليمان، وأن هذا الهيكل الأخير كان قد تهدم في القرن الخامس قبل الميلاد وبُني مكانه هيكل زربابل بعد العودة من السبي، ووقت السيد المسيح كان الهيكل المقام هو هيكل هيرودس الذي تهدم تماماً في خراب أورشليم عام 70م على يد القائد الروماني تيطس، وقد بنى الإمبراطور هادريان تمثالاً له وهو على صهوة جواده في مكان قدس الأقداس عام 138م، وفي وقت فرسان الهيكل كانت تلك المنطقة سبب نزاع وحروب أُطلق عليها الحروب الصليبية، فمن البديهي أنه لم تكن هناك أسراراً مخفية للمسيحية مدفونة في معبد يهودي (الهيكل) تهدم قبل 15 قرناً من هؤلاء الفرسان.

ليوناردو دافنشي:

ويظهر في القصة روبرت لانجدون أستاذ علم الرموز الدينية في جامعة هارفارد الذي كان على موعد مع القتيل جاك سونيير، كما تظهر حفيدته صوفي نوفو التي تعمل كخبيرة حل الشفرات لمعرفة قاتل جدها، ويستعين لانجدون بصديقه لاي تيبينغ المؤرخ الديني ويكتشفوا أن دافنشي كان رئيس جماعة سيون الوهمية التي هي فرسان الهيكل، وبالطبع كانت قد انتهت قبل دافنشي بقرنين ويزعمون أنه حافظ على الأسرار - التي لم تكن بحوزتهم أصلاً - من خلال لوحاته الغريبة.

والآن لابد أن نعرف بعضاً عن دافنشي حتى نعرف لماذا أطلق الكاتب هذا الاسم على روايته، كان ليوناردو دافنشي (1452-1519) موهوباً إلى أبعد حدود الفن، فتناول طريقة جديدة في الرسم تكون طبيعية وحقيقية بدلاً من آثار الفن البيزنطي الذي أخذ في الانحدار، فبدلاً من النسب الطويلة والملابس الفضفاضة والوجوه الجافة بدأ يهتم بالنسب الصحيحة والحركة الرشيقة، وإليه ترجع نظرية منظور الهواء في الرسم (إن الأشياء البعيدة تبدو باهتة غير واضحة المعالم والأشياء القريبة تبدو دقيقة قوية الألوان وواضحة) كما أنه كان نحاتاً مميزاً، أما في فن العمارة والهندسة فإليه يرجع كل أسس المنظور وخط الأفق ونقط الزوال (الأشياء البعيدة تبدو أصغر من مثيلاتها القريبة رغم تماثلهم في الحجم في الواقع) أما في علم التشريح فله دراسات في تشريح الحشرات والفراشات والثعابين والسحالي والضفادع، ولكن الخيول بوجه خاص تحتل المرتبة العليا في دقة التشريح الحيواني، أما بالنسبة للإنسان فإن نسب الجسم في الرجل والمرأة وتطور النمو بالنسبة للطفل والدراسات في العظم والعضلات بالنسبة لكل جزء في جسم الإنسان بدقة كبيرة، حتى دراسات الجنين في الرحم ودراسات تشريح العين وتكوين الصورة في الحدقة وعلاج عيوب العين تعد بذرة الطب حتى يومنا هذا.

أما في مجال المخترعات فيرجع إليه الفضل في اختراع الدبابة والطائرة العمودية والسيارة الآلية وآلة السير فوق الماء وعدة آلات حربية أخرى، باختصار كان دافنشي عبقرياً في كل الاتجاهات الفنية، ومع ذلك كان يكتشف أخطاء في أعماله التي يعتقد الجميع أنها من المعجزات، أما على الصعيد الديني فإن ثقافته الدينية لم تكن شديدة العمق ولكنه كان مسيحياً، على أنه أُتهم بما يخص عقيدته الدينية بسبب صداقته لبعض الفنانين الملحدين، على أنه اهتم بالتعاليم المسيحية المقدسة والشعائر الكاثوليكية في آخر أيامه، لذا نرى أنه من المستحيل أن يترأس أية جماعة دينية أي كانت معتقداتها وأفكارها فقد وهب نفسه للفن، على أن تعدد مواهب دافنشي وعدم وضوح مذهبه الديني جعلت منه هدفاً أسطورياً لكل القصص الغامضة، فقد أُطلقت عليه في القرن الماضي قصة تتعلق بشفرة خاصة تتلخص في أنه ترك اختراع آلة غريبة تحول الرصاص إلى ذهب، ولما لم تكن هناك أي آلة أو أدلة على ذلك فابتكروا قصة أن دافنشي في مخطوطة ما أوضح تركيب أجزاء مخترعاته بطريقة معينة تبين الآلة المقصودة، وبالطبع هذه مخطوطة – التي لا وجود لها - سرية لا يعرفها أحد ولم يرها أحد على الإطلاق، وبهذا صارت هدفاً لعدة قصص وأفلام خيالية جميلة.

الموناليزا:

شفرة دافنشي الحديثة قد أُطلقت بهدف شاذ دينياً؛ فيذهب أبطال الرواية إلى أن دافنشي كان يعرف أن الإله الحقيقي هو الإله المؤنث الذي اتحد بالإله المذكر، والدليل لوحة موناليزا التي رسمها وهي تدل على الإله المؤنث، فإن التسمية ترجع إلى آمون اليوناني وايزيس المصرية!! وبالطبع أن طلاب ثانوي يعرفون من دراستهم لعقائد المصريين القدماء أن الإله آمون المصري (الإله المختفي) إله غامض صار إله الهواء والإخصاب تزوج الإلهة موت وأنجبا خنسو إله القمر، أما الإلهة ايزيس فهي الزوجة الوفية للإله أوزوريس والأم المخلصة لإبنها الإله حورس، أما موناليزا فهي كلمة من مقطعين؛ مون وهي اختصار كلمة سيدة باللغة الإيطالية وليزا هي اسم السيدة ليزا جيرارديني صاحبة اللوحة، على أن موناليزا اسم أُطلق في القرن الثامن عشر بعد وفاة دافنشي بثلاثة قرون، أما اللوحة فقد أطلق عليها دافنشي جيوكندا (لقب زوجها) ومازالت تُعرف بهذا الاسم الفني حتى الآن، وموناليزا لم يكن على عنقها أي عقد يصور الإلهة ايزيس الإله المؤنث.

يهوه:

يعود أبطال القصة الساذجين إلى قصة اتحاد الإله المؤنث مع الإله المذكر، والدليل الذي يقدمونه على هذا هو في كلمة يهوه التي وردت في العهد القديم، فيقولون أن يهوه باليونانية Jehavah تعني اتحاد Jeh الإله المذكر مع Eve الإله المؤنث فيظهر إله واحد مخنث!! والحقيقة أن Jehavah هو نطق ليهوه باليونانية استعمله اليهود في القرون الوسطى حين كان محرماً أن ينطقوا به وهم يعيشون وسط الشعوب الأوروبية، على أن هذه لا تعدو أكثر من ترجمة، ففي العبرية والآرامية التي استعملت قبل الترجمة اليونانية للكتاب المقدس في القرن الثالث قبل الميلاد - أي قبل هذا الإدعاء بعشرين قرناً - كلمة يهوه تعني الإله الذي كان دائماً والذي يكون دائماً والذي يأتي أبداً، ففي إيجاز يهوه تعني الأبدي والأزلي أي السرمدي، أما اتحاد الإله المذكر (ين) والإله المؤنث (يانج) فهو يرمز لإله الكون [ في الثقافة الصينية فقط منذ القرن الخامس قبل الميلاد، وإدعاء أن السيف هو رمز الرجل r والقدح هو رمز المرأة s واتحادهما هو رمز نجمة داود Y النجمة التي استخدمها اليهود طوال عمرهم، فإننا نقول أن نجمة داود لم تستخدم ولم تظهر إلا في القرون الحديثة كعلامة تميز اليهود وليس لها علاقة باتحاد الإله الذكر بالإله المؤنث، وهذا بالتأكيد يقودنا إلى أن كل من الشكلين rs ليس لهما أي علاقة تفيد سواء السيف والقدح أو الإله المذكر والإله المؤنث، ليس في الثقافة العبرية فقط بل والحضارة الفرعونية والقبطية واليونانية أو اللغة المسمارية ولغات وأشكال بلاد ما بين النهرين، أما إن كان لها علاقة بالإلحاد فهذا شأن دان براون وحده.

العشاء الأخير:

لوحة العشاء الأخير التي رسمها دافنشي 1498م ذكر أنه في منتصف القرن السادس وبعد حوالي 50 عاماً فقط كان قد أصاب اللوحة التلف الكبير، وتلا ذلك أنها انهارت إنهياراً مخجلاً يوماً بعد يوم فدُمر النصف السفلي لعمل باب واسع لقاعة الطعام (المكان الذي رُسمت على جدرانه) ثم عُلقت شارة الإمبراطور النمساوي مكان رأس السيد المسيح، ثم غطت اللوحة القاذورات عندما أصبحت القاعة إسطبلاً للخيول، بل أن رؤوس التلاميذ كانت هدفاً يقذفه الجنود كتسلية لهم، تلا ذلك أنها قد تم تغطيتها عدة مرات بطبقات من الدهان، على أن ما ساعد عمليات الترميم الإسكتشات القديمة التي تركها دافنشي، كما أن هناك فنانين قد نقلوا نسخاً عن هذه اللوحة.

هنا يعرض المؤلف مفاجآت مبتذلة؛ فيقول أن الذي يجلس بجوار السيد المسيح ليس هو ق. يوحنا الحبيب وإنما هو مريم المجدلية ونتساءل إن كانت هي مريم المجدلية فأين ذهب يوحنا الحبيب، إن يهوذا الخائن كان حاضراً بينما التلميذ المحبوب لم يكن هناك!! ويؤكد الكاتب أنه مريم المجدلية لكونه بدون ذقن وذو شعر طويل، والحقيقة أن رسم الشباب في ذلك الوقت كان يتم بتلك الطريقة بدون ذقن، ومع طريقة الرسم الإيطالي يبدو كالفتيات الجميلات؛ ففي لوحة (يوحنا المعمدان) لدافنشي نراه شاب جميل كالفتيات، وعلى ذلك نرى أن عدة تلاميذ كانوا ذوى شعر طويل ومنهم يهوذا ذاته، على أننا نرى التلميذ الثالث من اليسار بدون ذقن وذو شعر أحمر طويل فيبدو كفتاة جميلة المحيى.

ومن المضحك أن الكاتب يذكر أن هناك دليل على ترابط السيد المسيح مع مريم المجدلية إذ أنهما يرتديان نفس الملابس ولكن الألوان متعاكسة، والحقيقة أنه كان من الصعب التأكد من ذلك، ولكن بعد عمليات الترميم المعقدة وبالنظر للوح المنسوخة نقول أن كل من السيد المسيح والقديس يوحنا الحبيب ذوي ملابس تتشابه في اللون وتختلف في الدرجة؛ فهنا أحمر فاتح وأحمر غامق وكذا الأزرق لذا فالألوان مختلفة، ولكن ماذا يدل على أن التلميذ الثاني من جهة اليسار والتلميذ الثاني من جهة اليمين الذي هو بطرس الرسول كلاهما يرتدي الأخضر، كما أن التلميذ قبل الأخير من اليسار والتلميذ قبل الأخير من اليمين يرتديان نفس الأحمر، وفي بعض النسخ تظهر ملابس رب المجد ذات لون أزرق وأحمر بينما ملابس يوحنا الحبيب أخضر وأحمر، على أن بطرس يظهر بالبني والتلميذان قبل الأخير من اليمين واليسار باللون الفاتح والبرتقالي، ثم ماذا نقول إن عرفنا أنه في اللوحة الأصلية وجميع اللوح المنسوخة أيضاً يظهر يهوذا الخائن وهو يرتدي الأزرق والأحمر مثل معلمه يسوع المسيح، فهل يدل ذلك على أنهما متماثلان أو متحدان أو ما شابه ذلك!!

وإذ تتوالى الاستنتاجات الساخرة فإن القديس بطرس يهدد القديس يوحنا الحبيب (مريم المجدلية) بالقتل بينما في الحقيقة رسمه دافنشي يشير إلى يوحنا التلميذ الحبيب ليسأل رب المجد عمن يسلمه، ونلاحظ ذلك في إشارات باقي التلاميذ فنرى أحدهم يرفع يده متعجباً والآخر يناقش زميليه مستعجباً في حين أن آخر يسأل بدهشة هل أنا هذا التلميذ؟ وآخر يشير إلى المسيح وكأنه يقول له حاشا لك يا رب، ويقول النقاد أن حركات الجسم والعين لكل شخص تصور انفعالاً هادئاً للشيوخ وثورة للشباب، في حين أنها تصور حزن رقيق لرب المجد، هنا تظهر في اللوحة يد تحمل خنجراً وبالطبع لا يمكن أن يكون بطرس هو صاحب هذه اليد لأن جذعه يميل للأمام فيستحيل معها هذا الوضع، ومن البديهي ألا يخطئ أستاذ علم التشريح هذا الخطأ الساذج، فهذه اليد ليس لها صاحب ولكنها دليل على خيانة يهوذا وكأن الفنان يقول أنه يطعن رب المجد في ظهره بتسليمه إياه قابضاً ثمن خيانته، وليس كما يفسره أبطال الرواية الخيالية على أنه تحالف التلاميذ لقتل المجدلية.

السخرية المقيتة تظهر حين يقول أبطال الرواية أن اللوحة بدون كأس لأن المجدلية هي الكأس المقدسة! ولكن فات على هؤلاء حقيقة أن دافنشي قصد أن يرسم لوحة الفصح اليهودي الذي أكله السيد المسيح مع التلاميذ ويهوذا حاضراً (يو22:13) بينما أن سر الإفخارستيا الذي أسسه السيد المسيح بعد خروج يهوذا وكان هناك خبزة واحدة وكأس خمر واحد (مت26:26) فهو لم يرسم خبزة وكأس لأنه لا يرسم تأسيس سر التناول بل رسم عشاء الفصح، ونلاحظ هنا إنه الموضوع المناسب للوحة حيثما رسمت في قاعة الطعام لدير سانتا ماريا ديلا جراتسيه، بينما سر الإفخارستيا (خبزة واحدة وكأس خمر واحد) الموضوع المناسب للوحة تًُرسم فوق المذبح، لذا نرى أن اسم اللوحة هو العشاء الأخير وليس العشاء الرباني.

يظهر ضيق الأفق حينما يؤكد أبطال الرواية أن السيد المسيح ومريم المجدلية يمثلان حرف M من المسافة بينهما وخطان وهميان! والحقيقة أننا لا نرى هذا الحرف الذي يشير إلى مريم المجدلية أو يشير إلى ماتريمينو الذي هو الزواج، ولكن بهذه الطريقة الساذجة وهي إضافة خطوط وهمية يمكن تكوين أي حرف نريده في أي مكان من اللوحة، ولكننا نرى حرف V بين السيد المسيح وبين القديس يوحنا الحبيب ولما كان حرف V لا يشير إلى شيء فقد عاد واستنتج هؤلاء الأذكياء أنه يدل على ترابط السيد المسيح مع مريم المجدلية ترابط جسدي من خلال الإله المؤنث (القدح) s الغير موجود في أي ثقافة أو مذهب سوى في خيال المؤلف المريض!

مريم المجدلية:

كان الرب قد أخرج منها سبعة شياطين وتبعت السيد المسيح وشهدت عدة معجزات، كما كانت عند الصليب وكانت أول من شهد القيامة، ومن هنا أوعز عقل المؤلف أنها اقتربت من رب المجد لتظهر المفاجأة فإن السيد المسيح كان متزوجاً من مريم المجدلية ويؤكد البطل أن الرجل اليهودي لابد أن يكون متزوجاً بل يصرح أن أعظم سر ليس أن السيد المسيح كان متزوجاً بل كان أباً أيضاً.

إن السيد المسيح الذي كان من سبط يهوذا تزوج من مريم المجدلية التي من نسل بنيامين النسل الملكي ليكوِّن اتحاداً سياسياً دينياً يطالب فيه بالعرش اليهودي! وهنا تظهر الفكرة الصهيونية القديمة التي تقوم على أن إسرائيل سيدة العالم ستتحكم في كل البشر، وأن نسل المسيح سيملك على إسرائيل المتسلطة فهل ملكوت الله ملكاً أرضياً؟؟ يرد رب المجد قائلاً "أجاب يسوع مملكتي ليست من هذا العالم، لو كانت مملكتي من هذا العالم لكان خدامي يجاهدون لكي لا أُسلم إلى اليهود، ولكن الآن ليست مملكتي من هنا" (يو36:18) ويؤكد حقيقة ذاته "لأن رئيس هذا العالم يأتي وليس له في شيء" (يو30:14) إن هذه الفكرة بكل بساطة تنفي المجيء الثاني والحياة الأخرى ونهاية العالم ويوم الدينونة، والعقل الواعي يرى أنها ليست عقيدة سماوية بأي حال من الأحوال، فهي توضح فكر الكاتب الإلحادي الذي يقول أن الأديان خداع والإيمان تلفيق.

نعود إلى مريم المجدلية التي من قرية مجدل القريبة من طبرية الواقعة في شمال اليهودية، في حين أن نصيب سبط بنيامين ومكان سكناهم طوال التاريخ في الجنوب، فكيف أصبحت مريم المجدلية من قبيلة بنيامين! ونعود إلى سلسلة الأنساب فنجد أنها تذكر الرجال لا النساء، إن مريم المجدلية ذاتها تعرف أنها ليست من سبط بنيامين، هنا يقف المؤرخ الديني في حيرة يضرب أخماساً في أسداس ولا يعرف الجواب، فإن بولس الرسول الذي من سبط بنيامين لم يشر مطلقاً إلى موطن المجدلية أو نسبها كما أن سبط بنيامين أصلاً لم يكن سلالة ملكية قط، ولم يزد الأمر على كون شاول أول الملوك منه وكان ملكاً مرفوضاً من الله بسبب أعماله ولم يثبت الله مملكته.

بالنسبة للسيد المسيح لم يذكر في العهد القديم مطلقاً أي إشارة على أنه كان متزوجاً بل نرى أن الناس كانت تعرف أمه وأخوته ونسبه فهل لم يعرفوا زوجته؟! وأكثر من مرة قالوا له: "هوذا أمك وأخوتك" (مت47:12) (لو20:8) فلماذا لم يقولوا وزوجته أيضاً؟ ثم أننا نتساءل إن كان السيد المسيح على الصليب سلم أمه إلى يوحنا الحبيب "هوذا ابنك .. هوذا أمك" (يو27:19) فلمن سلم مريم المجدلية إن لم يسلمها إلى يوحنا الحبيب؟ وتظهر ضحالة الفكر في الإجابة المضحكة أن السيد المسيح بعد القيامة سيذهب مع المجدلية ليعيشا سوياً في فرنسا، فهل كان رب المجد بشراً فانياً وكان يخدع الجميع حتى يترك البشارة للرسل بينما يعيش مع مريم المجدلية؟! وإن كان إنساناً ونبياً فقط فكيف قام من الأموات أصلاً؟!

ونحن نرى أن الرجل اليهودي ليس شرطاً أن يكون متزوجاً فبعض الأنبياء لم يتزوجوا، ويوحنا المعمدان لم يكن متزوجاً، وبعض الرسل لم يتزوجوا أيضاً، وهناك جماعات يهودية مثل الأسينيين يرفضون الزواج أصلاً، بل أن بولس الرسول حين أكد أن الزواج لم يكن خطأً استشهد بزوجات الرسل وإخوة الرب وبطرس أيضاً (1كو5:9) فكان الأولى أن يستشهد بزواج المسيح ذاته، والرد السخيف هو أن هذا الزواج كان سرياً لذا لم يعرفه الناس ولم يذكره التلاميذ، على هذا فإن هذا الزواج السري الذي لم يعرفه الناس ولم يذكره أحد عرفه دافنشي! فكيف عرفه بعد 15قرناً إن لم يعرفه المقربون من المسيح؟! بل كيف يثبت هذا النسل السري - إن وجد - نسبه إلى السيد المسيح!؟ هل فات على رب المجد أن نسله لن يستطيع بهذه السرية أن يملك على العالم، على أن الكاتب الذي يستشهد بكل قوة بكتابات أبوكريفية نرى أنها هي الحبل الذي يخنق دعواه، إذ أن أغلب الكتب الغنوسية تصور السيد المسيح على أنه روح ليس له جسد، فالجسد في نظرهم شرير فهو مادي ومن هذا العالم الخاطئ، بل تتمادى مخيلتهم في أن الإله الروحاني تراءى في ذلك للبشر كوهم وخيال وأحياناً كان التلاميذ عندما يلامسون المسيح يجدونه فراغاً فكيف أن الروح بالنسبة لهم تزوج؟! بل نرى الكاتب على لسان أبطال القصة وهو يفسر أحد الوثائق التي وُجدت في نجع حمادي من كتب الغنوسيين أن المجدلية كانت رفيقة السيد المسيح وإن رفيقة في اللغة الآرامية تعني الزوجة، ياله من اكتشاف مذهل!! ولكن فات على هؤلاء الأذكياء أن هذه النسخ مكتوبة بالقبطية والأصل المأخوذ منها باليوناني فهذه الكتابات ليس لها أدنى علاقة باللغة الأرامية.

وفي أحد الوثائق الذي دُعي إنجيل مريم المجدلية يصور أن التلاميذ كانوا يتضايقون من المسيح لأنه كان يحب مريم المجدلية أكثر منهم، وتتمادي هذه الوثيقة إذ تصور أن السيد المسيح كان يقبلها، فهل كل قبلة تدل على الزواج؟ فماذا عن قبلة يهوذا للسيد المسيح وماذا عن المرأة التي قبلت قدمي رب المجد؟ أليست رمزاً إلى التوبة والندم، وفي نشيد الأنشاد أليس القبلة ترمز إلى الحب الروحين وإذ نترك التفسير نتساءل في وضوح إن كان السيد المسيح متزوجاً من مريم المجدلية فهل يسأل التلاميذ لماذا يقبلها؟ وهل يتضايقون من حبه لها؟ فهل لا يفهمون أن الرجل يحب زوجته؟ وبعيداً عن هذا وذاك فإن الوثائق التي وجدت في نجع حمادي تعود إلى القرن الثالث وقد تأكد تمام التأكد أنها من كتب الأبوكريفا المنحولة التي لا تحمل قلامة ظفر من الحقيقة.

تظهر في طول القصة المعلومات المغلوطة المتناقضة ونلاحظ أن كل منها يهدم الأخر، ولكن الكاتب يحاول أن يظهرها مبتورة غير كاملة ويتجنب إظهار فكره مرة واحدة بل نراه يظهر جملتين في موضوع ما ويتركه بضع عشرات الفصول ليضيف جملتين آخرين، ثم يقفز لموضوع ثالث لا علاقة له ولكنه يحشره في المنتصف لتتداخل الموضوعات وتتشعب بدون أدلة واضحة أو دون الوصول إلى نتيجة وكل ذلك حتى لا ننتبه إلى الأخطاء السافرة التي يظهرها بنفسه.

الكأس المقدسة:

لقد ظهرت أسطورة تقول أن يوسف الرامي جمع دم السيد المسيح الذي سال على الصليب في ذات الكأس التي أسس فيها رب المجد سر الأفخارستيا وسافر بها إلى بريطانيا، وظلت هذه الكأس ملكاً لعائلته حتى أصبحت في حماية فرسان المائدة المستديرة التي أسسها الملك آرثر في القرن الثاني عشر، ونتساءل كيف وصلت الكأس إلى يد يوسف الرامي قبل صلب السيد المسيح؟ وكيف جمع يوسف الرامي دم السيد المسيح وذلك منافي للشريعة اليهودية وضد القوانين الرومانية؟ وكيف سافر بهذه الكأس؟ بل كيف لم يذكر أحد الرسل والقديسين ولو عرضاً هذا الخبر الهام؟ وأين هذه الكأس منذ القرن الثاني عشر؟ بل أين هي الآن؟! وأسئلة أخرى كثيرة، ورغم ذلك راجت هذه القصة عندما صدرت في 1980 وتحولت إلى فيلم سينمائي 1982 حقق إيرادات خرافية، ولكن المؤلفون الثلاثة اعترفوا في بداية الكتاب أنه لا يعدو خرافات وأساطير بغرض الحبكة السينمائية ونكتفي بقول المؤلفين ذاتهم دون تعليق.

هنا يذهب الكاتب إلى أبعد من ذلك إنه يقول أن مريم المجدلية هي الوعاء المقدس؛ إنها الكأس التي حملت السلالة الملكية والرحم الذي حمل ورثة المسيحية الحقة والكرمة التي أنتجت الثمرة، ونتعجب لو أراد السيد المسيح أن يجهز نسلاً ملكياً لأعلن ذلك ولو حتى سراً لأحد تلاميذه أو لأحد الثلاثة المقربين إليه، ونلاحظ أنه ليس في المسيحية تعاليم سرية أو غموض أو إخفاء معلومات عن الآخرين بل يقول الكتاب "وجميع الذين آمنوا كانوا معاً وكان عندهم كل شيء مشتركاً" (اع44:2و32:4).

رأس الكنيسة:

الآن إن مستقبل الكنيسة بين يدي مريم المجدلية، فهي الصخرة التي بنى الرب يسوع الكنيسة عليها!! فماذا فعلت المجدلية؟ لقد زعم هؤلاء أنها بعد القيامة سافرت إلى فرنسا ووضعت ابنتها سارة من يسوع، ودُفنت في فرنسا وقبرها هناك بينما نسلها كان السلالة الملكية هم الملوك ذو الشعور الطويلة، التي أُطلق عليهم الميروفينجيان وحكموا فرنسا في القرن الخامس الميلادي، فهل أرادوا أن ينسبوا أنفسهم لنسل ملكي فلم يجدوا سوى أنهم أبناء مريم المجدلية - وذلك لم يستطيعوا إثباته بالطبع - ثم أخذ المؤلف طرف الخيط وأوضح أنهم أبناء السيد المسيح في هزل واضح وأعاد لنا فكرة صهيونية قديمة هي ذاتها التي استخدمها الألمان في القرن الماضي، إنهم نسل خاص؛ إنهم مميزون؛ إنهم مُختَارون؛ إنهم متفوقون؛ ما بين تمييز عرقي وتطرف قبلي، بينما يؤكد التقليد الأرثوذكسي أن المجدلية ذهبت إلى أفسس وماتت هناك وأنها لم تذهب إلى فرنسا قط كما يؤكد ذلك المؤرخ الروماني ذو الأصل الفرنسي أسقف توروز الأب جريجوري (538-594م) ثم نُقلت رفاتها إلى القسطنطينية سنة 886م فقبر المجدلية ليس في متحف اللوفر كما حاول أن يوهمنا أستاذ علم الرموز الدينية، بل يذهب المؤلف أبعد من ذلك فيوضح أن مريم المجدلية هي رأس الكنيسة، فالسؤال ما هي بشارتها وما هو منهجها التي به سيرت الرسل وقادتهم، هنا يتحدد ملامح الهجوم على الفاتيكان وعلى شخص بطرس فالسيد المسيح حين قال "أنت بطرس وعلى هذه الصخرة أبني كنيستي" (مت16:13-18) طار المفسرون بهذا الجزء وأوضحوا أن الصخرة هي بطرس، ولكن من يقرأ الآيات بعناية يعرف من سياق الحديث أن الصخرة هي الإيمان، كما نرى أن هذا الحق لم يُعطَ لبطرس فقط بل لجميع التلاميذ كما ذكر رب المجد "الحق أقول لكم كل ما تربطونه على الأرض يكون مربوطاً في السماء وكل ما تحلونه على الأرض يكون محلولاً في السماء" (مت18:18).

على أن هناك خطأ واضح لا يغتفر فإن رأس الكنيسة هو السيد المسيح وليس مريم المجدلية أو بطرس، إن أعمدة الكنيسة هم الرسل الاثني عشر فرب المجد لم يعد أحد ليقود الكنيسة منفرداً، بل وهب الجميع التلاميذ والرسل والقادة والنساء الأوائل أن يكونوا خدام عاملين في الكرازة، على أن بولس الرسول يوضح أنه عندما ذهب إلى أورشليم إنه قابل أعمدة الكنيسة يعقوب وصفا ويوحنا (غل9:2) بل أن الأهم من ذلك هو أن التلاميذ أو أعمدة الكنيسة لم يسيروا البشارة بل إن الروح القدس ذاته هو الذي قادهم.

الكتاب المقدس:

إن الكاتب يطرح سؤالاً خفياً بين صحة الأبوكريفا وهرطقة الأناجيل، نعم إن الوضع جد معكوس عنده فيرى أن الأناجيل المنحولة الكاذبة هي الصادقة وأن الكتابات التي عندنا مزيفة! ويتساءل لقد كان هناك أكثر من 80 إنجيلاً فلماذا اُستبعد الجميع وبقى أربعة فقط وأين كتابات باقي الرسل؟ ويذهب إلى أبعد من ذلك فيوضح أن الإنجيل بصورته المعروفة الآن قد جمعه قسطنطين الإمبراطور الوثني الذي اعتنق المسيحية وهو على فراش الموت وحرق باقي النسخ ليؤكد للعالم إلوهية المسيح، وحول الأنثى إلى رمز لكل الشرور لينفي فكرة زواج السيد المسيح.

إن الغنوسية التي بدأت في القرون الأولى بعضهم دوستيين اعتقدوا بأن جسد الرب صورة وإن تألمه وموته خيالاً لا حقيقة، والأيونيين الذين تمسكوا بشريعة موسى والكيرنثيون الذين يعتقدوا إن اللاهوت نزل على يسوع في المعمودية وفارقه بعد الصلب ورجع للسماء وبعضهم يفرق بين يسوع والمسيح والبعض يجحد لاهوته تماماًًً والبعض ينكر ناسوته، وفي هذا لجأ الهراطقة وخاصة الغنوسيين إلى كتابة عقيدتهم، وليزيدوها أهمية ويعطوها صورة لا تقبل الشك أعطوها أسماء أناجيل نُسبت إلى الرسل، فهي إنجيل العبرانيين وإنجيل أندراوس وإنجيل المجدلية وإنجيل توما وإنجيل فيليب وحكمة الإيمان وإنجيل بطرس، وأكثر الكتابات المزيفة أناجيل الماركونيين على أن أولها كان في القرن الثاني بعد أن أقر الآباء الرسل الإنجيل وتداوله الناس وانتشر في العالم أجمع.

(إن الكتب الأبوكريفية تمتلئ بالفكر الغنوسي الوثني والخرافات والفكر الأسطوري ولغتها خالية من النعمة، بل نجدها تمتلئ بالحماقات والمتناقضات وتحوي عشرات الآلاف من الأشياء الصبيانية التي لا تصدق السقيمة الخيال الكاذبة الحمقاء المتضاربة الخالية من التقوى والورع ولا يجافي الحقيقة أن ننعتها بأنها أم الهرطقات) هذا جزء مما قاله فوتيوس بطريرك القسطنطينية بعد دراسته لأكثر من 280 كتاباً من هذه وهو عين ما يؤكده جميع اللاهوتيين والمفسرين والمؤرخين.

والآن إن صحة الكتاب المقدس لا يرقى إليها شك سواء في العهد القديم أو العهد الجديد من شهادة التاريخ والعلم وشهادة جميع طوائف المسيحية وبالإقرار الصريح الذي أكده أعداء المسيحية الهراطقة والوثنيين ذاتهم والعلماء والفلاسفة على مر العصور، على أن أقوال المسيح والرسل تؤكد ذلك بل إننا نذهل إن عرفنا إنه أن فُقد الكتاب المقدس تماماً وأحرقه قسطنطين فإن ثلثيه يُجمع من كتابات أوريجانوس فقط، أما الكتاب المقدس بأجمعه فنجده في كتابات الآباء من القرنين الأول والثاني فقط مؤكدة بالحرف أكثر من مرة وكاملاً عدا 11 آية فقط، وها هي بين أيدينا النسخ الأصلية لهذه الكتابات ويعوزنا موسوعات لذكر أعمالهم، أما عن حرق الكتب المقدسة فإن الكتاب بصورته الحالية هي ذاتها التي تركها الرسل في القرن الأول الميلادي وفي أول القرن الثاني الميلادي، وكان هناك 60ألف نسخة منه، وفي آخر القرن الثاني الميلادي وصلت إلى 200ألف نسخة، ووقت مجمع نيقية كان هناك حوالي مليون نسخة في جميع أرجاء المعمورة، إن مجرد جمعهم يتطلب مجهوداً جباراً من ملايين الرجال في سنين كثيرة ولا يمكن جمع إلا النصف على أحسن الفروض، فهل في التاريخ مثل هذا الحدث الرهيب!

لقد توزع الكتاب المقدس وأدمن المسيحيين قراءته حتى حفظ كثير منهم جملة ما كتب غيباً، وأقتبس منه مؤرخون كثيرون حتى إن كانوا مغايرون لبعضهم البعض، لقد كُتبت الأناجيل الأربعة بناءً على طلب المؤمنين الذين تسلموها شفوياً ثم كُتبت بيد الرسل ذاتهم بناء على إلحاح المؤمنين وتحت سمعهم وبصرهم وكانوا يحفظونها ويرددونها شفهياً، وهناك أدلة أخري كثيرة، لمزيد من التفاصيل راجع كتاب استحالة تحريف الكتاب المقدس للقمص مرقس عزيز خليل، الكتاب المقدس يتحدى نقاده والقائلين بتحريفه للقس عبد المسيح بسيط أبو الخير، الكتاب المقدس أسلوب تفسيره السليم وفقاً لفكر الآباء للأب شنوده ماهر إسحق.

الإله المتجسد:

والآن نتساءل هل السيد المسيح مجرد نبي عظيم أو قائد فذ ولكنه في النهاية بشر فان يدركه الموت، وإن إلوهية السيد المسيح أكذوبة ظهرت متأخرة بل أول ما ظهرت كانت في مجمع نيقية حينما حاول الآباء إيهام الجميع أنه إله، فابتكروا فكرة ابن الرب بإيعاز من قسطنطين الوثني لتبدأ أسطورة إلوهية المسيح.

والحقيقة إن لاهوت المسيح ثابت منذ فجر المسيحية وامتلأت به الأناجيل الأربع ورسائل القديسين، ونعود إلى كتابات الآباء الرسل والآباء في القرن الأول والثاني مرة أخري وذلك قبل مجمع نيقية وهي التي تحدد ملامح إلوهية رب المجد، والكثير من الكتب الأبوكريفية أيضاً، يقول المؤرخ الكنسي شاف: إن الإيمان بأن يسوع المسيح هو الله المتجسد الفادي يُعلَن في العبادة اليومية والأسبوعية، وفي الاحتفال بالعماد وفي العشاء الرباني وفي الأعياد السنوية، من خلال الصلوات والتسابيح والترانيم، وقد دفع الكثير حياتهم ثمناً لشهادتهم بأن المسيح هو ابن الله، على أن المسيحية الحقة لم تجعل السيد المسيح إلهاً فقط دون جسد أو نبياً بشرياً دون إلوهية، بل قدمت يسوع المسيح في لاهوته وناسوته كإله متجسد وذلك من خلال الكتاب المقدس وتفسيره وفقاً لآباء القرون الأولى المشهود لهم، وآرائهم المطابقة لبعضهم البعض المتوافقة مع تعاليمنا، وبدون الخوض في التفاصيل نكتفي بأن معجزات السيد المسيح التي فعلها بالأمر، وإقامته الموتى بقوته الذاتية، وشفاءه للأمراض المستعصية التي تدخل تحت باب الخلق، ونبواته بل تعاليمه ذاتها تؤكد بما لا يجعل مجالاً للشك أنه إله، فليس هناك بشر يستطيع أن يفعل مثل ذلك بل أن الأعمى شهد بإلوهية السيد المسيح حين واجه شيوخ اليهود قائلاً "منذ الدهر لم يُسمع أن أحداً فتح عيني مولود أعمى" (يو32:9).

الفاتيكان:

في عداوة واضحة بين الكاتب وكنيسة روما زج بالمسيحية في خضم أوهام جاعلاً من الفاتيكان حامية حمى المسيحية وهي غير أمينة عليها بل ومضللة؛ والآن ها هو الجاهل يعلق اعتراضاً داعياً إلى نبذ كل الأديان، كان تل الفاتيكان هو المكان الذي صُلب فيه القديس بطرس منكس الرأس وبعد عدة قرون أصبحت كنيسة صغيرة على الطريق، بينما كان هناك كرسي أورشليم وكرسي الإسكندرية وكرسي أنطاكية وكرسي القسطنطينية كان لها ثقل وكلمة مسموعة بينما كرسي روما خامل، حتى جاء ليو الأول بطريرك روما في القرن الخامس وبدأ يفرض سيطرته على الكنائس الإيطالية، وحتى بعد ذلك الوقت كان المقر البابوي في روما في كاتدرائية جون لاتيرن أما الفاتيكان فقد أصبح دولة مستقلة في 11فبراير 1929 وعلمها ذو اللونين الأبيض والأصفر عليه مفتاحين لا نعلم إن كان أحدهما لبطرس فلمن الآخر؟

أما في القرون الأولى وبعد خراب أورشليم فقد كانت الريادة لكرسي الإسكندرية ومدرستها ومعلميها المفوهين، وكرسي أنطاكية وفطاحل العلماء، وكرسي القسطنطينية وأباءه الأجلاء، فعلى سبيل المثال لا الحصر أكليمندس الروماني 30-110، أغناطيوس الأنطاكي 35-107، بوليكاربوس أسقف سميرنا 56-155، بابياس أسقف هيرابوليس 60-130، يوستينوس الشهيد 100-165، تاتيان السوري 110-172، إيريناؤس أسقف ليون 140-202، أكليمندس السكندري 150-215، العلامة ترتليان 145-220، هيبوليتوس 170-235، أوريجانوس 185-245، وماذا عن أريسيندس 145، مليتو 157، هجيستوس 157، أبوليناريوس 165، موراتوريه 170، إيثاغورس 170، بنتيون 175 .. وكثيرون إذ يعوزنا الوقت ولا تكفي الموسوعات لنذكرهم ونوفيهم حقهم.

الوثنية:

يذهب المؤلف إلى أن كل المعتقدات المسيحية قائمة على رموز وثنية ومعتقدات لعبادات قديمة، كعبادة آلهة الفراعنة وآلهة الإغريق ومعتقدات الفرس وبلاد ما بين النهرين وغيرهم الكثير! أما من الناحية التاريخية فإنه في خداع كامل يستند على أحداث معروفة يأخذ أجزاء منها ويضيف إليها وقائع غير حقيقية مؤولَة إلى مواقف مختلفة تماماً ليثبت فكرة لا تمت لها بأي صلة على الإطلاق فإذ هي حقيقة خادعة لمن لا يعرف التاريخ، ومن التاريخ إلى الرموز والأشكال والكلمات فإنه يعتمد في ذلك على استنباط الكلمات من أخرى يتصادف بينهم مشابهات لفظية وخاصة في الإنجليزي والفرنسي والإيطالي ولكنها لا تدل على شيء في اللغة اليونانية القديمة أو القبطية أو حتى العبرية والآرامية وهي اللغات التي كُتب بها الكتاب المقدس في القرون الساحقة القدم.

إن كل الرموز والأشكال والإيحاءات التي أفردها الكاتب كأساس للعبادات الوثنية لم تكن موجودة أو معروفة أو متداولة في أي حضارة أو أي ثقافة إلا في القرون الحديثة.

كلمة أخيرة نهمس بها في أذن المؤلف: هل يعقل أن تبذل الكنيسة الآن وقد أصبح العالم قرية صغيرة من الوقت والجهد والمال وتجند الأشخاص وتدفع الرشاوي وتقتل أناس أبرياء كل جريرتهم أنهم غير مؤمنين وذلك تحت واعز ديني وبغرض حماية الإيمان؟ أما كان بالأولى أن تأمر الكنيسة بقتلك أنت لحماية الإيمان من لغطك؟ كلا أيها العبقري إن الوصية واضحة "لا تقتل" (خر13:20) وعقيدتنا أقوى من فرد أو هيئة أو مؤسسة أو جميع الغير مؤمنين معاً حتى لو كنت أنت قائدهم، ويعوزنا الوقت والجهد لنرد على إدعاءات كثيرة تبدو كخيال مريض نفسي، ولكن الأهم ليس الرد بقدر أن نثبت إيماننا حتى لا يتطرق الشك إلى ضعيفي الإيمان، أما بالنسبة لمن يلتصق بالرب فلن تكون هذه إلا زوبعة في فنجان، لا نبالغ إن قلنا إن مثل هؤلاء هم الذين صُلب السيد المسيح من أجلهم ولكنهم في الحقيقة حتى الآن يدقون المسامير في يديه وقدميه ويجلدونه بأعمالهم الآثمة زارعين الشوك على جبينه بل وصالبينه ثانية، ولكنه بكل محبة يفتح ذراعيه داعياً الضالين إلى حضنه محذراً من أن الشيطان يجول كأسد زائر يلتمس من يبتلعه، فهو يحاول أن يضل ولو أمكن المختارين أيضاً، ولكن الشيطان بات معروفاً وألاعيبه أصبحت واضحة وهزيمته رهن بمدى التصاقنا بالسيد المسيح وتقربنا من الأسرار المقدسة والتوبة والاعتراف، وستمر الأيام وستسقط كل الافتراءات كما سقطت كثير من قبل ويؤكد الكتاب المقدس ذلك "كل آلة صورت ضدك لا تنجح وكل لسان يقوم عليك في القضاء تحكمين عليه هذا هو ميراث عبيد الرب وبرهم من عندي يقول الرب" (إش17:54).