تفسير نبوءة دانيال النبى

تفسير نبوءة دانيال النبى

د1 9: 21- 27

عن السبعين أسبوعاً

" كمن يلتقط وراء القطافين أقبلت ببركة الرب فملأت المعصرة كمن قطف"

(سيراخ 33:17)

القس مكارى عبد الله

كنيسة رئيس الملائكة الجليل ميخائيل بطوسون


 

المقدمة

لما كان خلاص الإنسان بصليب ربنا يسوع المسيح هو الأمر الذى يهم الله أن يرشد الناس إليه لكى يصدقوه ويؤمنوا به، جعله الله محور الكتاب المقدس بعهديه – وأكثَرَ الأنبياء من التحدث عنه بطرق وأشكال مختلفة ليؤمن الإنسان فيخلُص.

إليك أيها القارئ العزيز نبوة قاطعة تحدد بكل دقة زمان هذا الخلاص، وكيفيته وثماره الصالحة.


 

نبوءة دانيال (د1 9: 21- 27)

أولاً: نص النبوءة: ( أخذ النص عن طبعة الآباء اليسوعيين لسهولة لفظها – مرجع [3])

"(ع21) وبينما كنت أتكلم بالصلاة إذا بالرجل جبرائيل الذى رأيته فى الرؤيا ... (ع22) تكلم معى وقال يا دانيال ... (ع23) ... فتأمل الكلمة وافهم الرؤيا: (ع24) إن سبعين أسبوعاً حُدَّدت على شعبك وعلى مدينة قدسك لإفناء المعصية وإزالة الخطيئة وتكفير الإثم والإتيان بالبر الأبدى واختتام الرؤيا والنبوءة ومسح قدوس القدوسين (ع25) فاعلم وافهم أنه من صدور الأمر بإعادة بناء أورشليم إلى المسيح الرئيس سبعة اسابيع وستون أسبوعاً فتعود تبنى السوق والسور فى ضيق الأوقات. (ع26) وبعد الأسابيع الإثنين والستين يقتل المسيح والشعب الذى ينكره لا يكون له ... (ع27) وفى أسبوع واحد يبت لكثيرين عهداً ثابتاً  وفى نصف الأسبوع يبطل الذبيحة والتقدمة" (د1 9: 21- 27)

قبل بدء التفسير يلزم أن نشير إلى أن السبعين أسبوعاً المذكورة هى أسابيع سنين وليست أسابيع أيام.


 

التفسير


 

ثانياً: المسيح الرئيس (دا 9:25):

مُسح قدوس القدوسين الرب يسوع رئيساً للكهنة فى سن الثلاثين

مسح قدوس القدوسين: تتكلم النبؤة عن مسح قدوس القدوسين (دا 9:24)، وبذا يصير قدوس القدوسين مسيحاً وتدعوه النبوءة المسيح الرئيس (دا 9:25)، ولا شك أن قدوس القدوسين هو الله – الرب يسوع.

المسيح الرئيس: والمقصود بالرئيس هنا أنه رئيس كهنة وقد مُسح الرب يسوع رئيساً للكهنة بعدما أعتمد من يوحنا المعمدان إذ مسحه الله الآب بالروح القدس. إذ يقول معلمنا متى البشير "ولما اعتمد يسوع صعد للوقت من الماء فانفتحت له السموات ورأى روح الله نازلاً مثل حمامة وحَّالاً عليه وإذا صوت من السماء قائلاً هذا هو إبنى الحبيب الذى به سررت"(مت 3: 16-17) ،(مر1: 9-11)،(لو3: 21-22).

ودليل ذلك:

أ‌-      أوضح ذلك معلمنا بطرس الرسول إذ قال لكرنيليوس وأصدقائه "أنتم تعرفون الأمر الذى صار فى اليهودية مبتدئاً من الجليل بعد المعمودية التى كرز بها يوحنا – يسوع الذى من النااصرة كيف مسحه الله بالروح القدس والقوة الذى جال يصنع خيراً ويشفى جميع المتسلط عليهم إبليس" (أع10: 37-38).

ب‌-  وأكد ذلك معلمنا لوقا البشير إذ يقول عن المسيح بعد المعمودية: "وجاء إلى الناصرة ..." فدفع إليه سفر إشعياء النبى ولما فتح السفر وجد الموضع الذى كان مكتوباً فيه روح الرب علىَّ لأنه مسحنى لأبشر المساكين أرسلنى لأشفى المنكسرى القلوب لأنادى للمأسورين بالأطلاق وللعمى بالبصر وأرسل المنسحقين فى الحرية و اكرز بسنة الرب المقبولة (إش61: 1-2)، ثم طوى السفر وسلمه إلى الخادم وجلس ... فابتدأ يقول لهم أنه اليوم قد تم هذا المكتوب فى مسامعكم" (لو4: 16-21).

ج - وبعد أن ذكر معلمنا لوقا البشير معمودية الرب هذه (لو3: 21-22) بقول "ولما ابتدأ يسوع (أى عمله كرئيس كهنة) كان له نحو ثلاثين سنة (لو3: 23). إذاً فالرب يسوع المسيح قدوس القدوسين مُسح مسيحاً رئيساً للكهنة حين كان له نحو ثلاثين سنة.

وجاء فى تفسير إنجيل معلمنا لوقا البشيؤ (المرجع[1] صـ193): وحين بلغ السيد الميح الثلاثين من عمره أعتزم أن يعلن ذاته للناس وشرع يؤدى رسالته التى جاء من أجلها إلى العالم ككاهن وكنبى لم يكن يجوز له الخدمة الدينية وفقاً للشريعة قبل أن يبلغ هذا السن (عد4: 3، 23، 30، 35، 42).


ثالثاً: صدور الأمر بإعادة بناء أورشليم:

أصدر الملك الفارسى أرتحشستا الأول (464-424 ق.م.) (مرجع [4] صـ22، [5] صـ45) فى السنة السابعة لملكه (عز7: 7) لعزرا الكاهن الأمر بالتوجه إلى أورشليم لإعادة بنائها وأعطاه رسالة جاء فيها "من أرتحشستا ملك الملوك إلى عزرا الكاهن كاتب شريعة إله السماء الكامل ... قد صدر منى أمر إن كل من أراد فى مُلكى من شعب إسرائيل وكهنته والاويين أن يرجع إلى أورشليم معك فليرجع من أجل أنك مرسل من قبل الملك ومشيريه السبعة لأجل السؤال عن يهوذا وأورشليم (السؤال عن أورشليم هو الاهتمام ببنائها) حسب شريعة إلهك التى بيدك ... أما أنت ياعزرا فخسب حكمة إلهك التى بيدك ضع حكاماً وقضاة يقضون لجميع الشعب الذى فى عبر النهر ... وكل من لا يعمل شريعة إلهك وشريعة الملك فلُيقضَ عليه عاجلاً إما بالموت أو بالنفى أو بغرامة المال أو بالحبس" (عزرا 7: 12-26).

-         صدر هذا الأمر لعزرا الكاهن سنة 458 قبل الميلاد (مرجع [4] صـ22، [5] صـ621).


 

رابعاً: الفترة من صدور الأمر بإعادة بناء أورشليم إلى المسيح الرئيس: سبعة أسابيع+إثنان وستون أسبوعاً:

بعد أن انتشرت المسيحيه فى العالم كله بدأوا فى القرن السادس يستخدمون التقويم الميلادى المستخدم الآن. ولكن اتضح بعد ذلك – بعد البحث والتدقيق – أن هناك خطأ حوالى خمس سنوات فى تحديد تاريخ ميلاد المسيح.

-         فالمسيح ولد حسب التقويم الميلادى الذى بأيدبنا سنة 5 قبل الميلاد (مرجع [1] صـ28، [5] صـ870).

-         كما أن عزرا الكاهن عاد إلى أورشليم سنة 458 قبل الميلاد بحسب التقويم الميلادى الذى بأيدينا.

-         فتكون الفترة من عوذة عزرا الكاهن إلى أورشليم إلى ميلاد الرب يسوع 458-5= 453 سنة.

-         وبما أن الرب يسوع مسح رئيساً للكهنة وكان له نحو ثلاثين سنة فتكون الفترة من صدور الأمر بإعادة بناء أورشليم على المسيح الرئيس هى 453+30= 483 = 69×7 سنة فهى إذاً 69 أسبوع سنين كما ذكرت النبوة.


خامساً: الأسبوع السبعين المتبقى (دا 9: 27):

وبعد التسعة والستين أسبوعاً أى خلال الأسبوع السبعين المتبقى وفى منتصفه أى فى السنة الرابعة منه قتل المسيح الرئيس (دا 9: 26، 27)، قدم المسيح ذاته ذبيحة على الصليب لمغفرة خطايانا (صُلب المسيح وكان له من العمر ¼ 33 سنة) (مرجع [6] تحت يوم 27 برمهات).

-         وهو الذبيحة الحقيقية التى سر بها الله الآب، وبذا:

-         أبطل جميع ذبائح العهد القديم ومحرقاته وتقدماته (دا 9: 27).

-         أعطانا جسده ودمه الفصح الحقيقى فأبطل الفصح اليهودى.

-         وبذل نفسه عن خطايانا وبذا أفنى المعصية وأزال الخطية وكفَّر عن إثمنا وأُتى بالبر الأبدى (دا 9: 24) كقول الرسول "لأنه جعل الذى لم يعرف خطية خطية لأجلنا لنصير نحن بر الله فيه" (2كو5: 21) ، وأيضاً "وأما المسيح وهو جاء رئيس كهنة للخيرات العتيدة فبالمسكن الأعظم والأكمل غير المصنوع بيد أى الذى ليس من هذه الخليقة وليس بدم تيوس وعجول بل بدم نفسه دخل مرة واحدة إلى الأقداس فوجد فداءً أبدياً" (عب9: 11، 12).

العهد الجديد: وبدمه الذى سُفك على الصليب فى منتصف الأسبوع السبعين من السنين قطع عهداً مع البشرية عهداً جديداً. (دا 9: 27).

فى هذا قال معلمنا متى البشير، وأيضاً غيره من الرسل: "وفيما هم يأكلون ... أخذ كأساً وشكر واعطاهم قائلاً اششربوا منها كلكم لأن هذا هو دمى الذى للعهد الجديد الذى يسفك من أجل كثيرين لمغفرة الخطايا" (مت26: 26-28) ، (مر14: 23، 24) ، (لو22: 20).


سادساً: ختم النبوءة والرؤيا:

-         قال الرب يسوع على الصليب "قد أُكمل" فهو قد أكمل كل شئ ولم يدع شيئاً لخلاص الإنسان (البر الأبدى) غير كامل، فلم يدع هناك بعد مجال لأنبياء آخرين، وبذا ختمت النبوة والرؤيا.

-         أشار الرب يسوع إلى ان يوحنا النبى هو آخر الأنبياء إذ قال "لأن جميع الأنبياء والناموس إلى يوحنا تنبأوا" (مت11: 13).

-         وفى مثل الكرامين الذى ذكره الرب يسوع قال إن صاحب الكرم أرسل عبيه يطلب من ثمر الكرم فكان الكرامون يجلدون بعضهم ويقتلون بعضهم "فأخيراً أرسل ابنه لعلهم يهابونه ... فأخذوه خارج الكرم وقتلوه" (مت21: 23-44) ، (مر12: 1-12) ، (لو20: 9-19). فبقوله: أخيراً أرسل ابنه يظهر أنه ليس بعد الإبن أنبياء.


 

المراجع

[1] إنجيل معلمنا لوقا البشير: اللجنة البابوية برئاسة الأنبا غريغوريوس – دار المعارف (1978).

[2] الكتاب المقدس: دار الكتاب المقدس.

[3] الكتاب المقدس: الآباء اليسوعيين.

[4] الكتاب المقدس: الآباء اليسوعيين – بإذن من النائب الرسولى للاتين بولس باسيم – طبعة ثانية – العهد القديم.

[5] قاموس الكتاب المقدس.

[6] سنكسار الكنيسة القبطية الارثوذكسية.